التخطي إلى المحتوى

هل تعلم أن بحراً في داخلنا

ليس هناك جزء في الجسم البشري يستطيع أن يعيش بدون المعجزات التي تحققها موجات المد والجزر التي تتدفق خلاله باستمرار.

إذا حكمنا على أنفسنا بالوزن فقط، فنحن المخلوقات البشرية مصنوعون في أغلبنا من الماء إذ أن مقداراً يتراوح بين 60 و 70% من وزن الجسم من الماء ويبلغ متوسط هذا المقدار في الذكر البالغ حوالي 45 كجم.

حتى عظامنا التي تبدو صلبة يتكون حوالي 20% منها من الماء في حين أن بلازما الدم 95% منها ماء.

هذا البحر الداخلي الملحي هو البيئة المائية التي حملها معه أول كائن عندما زحف خارجاً من المحيطات الدافئة التي تُغذي الحياة إلى الأرض منذ 500 مليون عام

وهذا البحر يتدفق خلال الأوعية الدموية وكل قنوات الجسم

مهما يصغر حجمها فهو يحيط بجدار كل خلية ويملأ كل الخلايا ولا يستطيع أي جزء في الجسم أن يعيش بدونه.

والماء ينقذنا من أن تستهلكنا النيران التي تنبعث منا فالنشاط الكيميائي الذي يجري في كل مكان في الجسم طوال الوقت بالإضافة إلى حرارة النشاط العضلي.

عندما نقوم بعمل بدني أو بعض التمرينات يُنتج من الحرارة ما يكفي لإحراقنا تماماً،

ولكن الماء الذي يغمر الخلايا ويتسلل من خلال الأنسجة يمتص الحرارة الزائدة بمجرد إنتاجها.

البحر الذي في داخلنا يمتص الصدمات

والبحر الذي في داخلنا يمتص الصدمات أيضاً فهناك حمام سائل يحمي المخ من الصدمات.

وبالمثل فإن عظامنا ومفاصلنا وأعصابنا يحميها الماء من ألوف الهزات التي لابد أن يتلقاها الجسم من العالم الصلب الذي نتحرك فيه وبدون الماء تصبح دقات الكعوب على الأرصفة،

أو دقات المطرقة في اليد شيئاً لا يطاق.

بل إن الحادث الطفيف قد يؤدي إلى إصابة خطرة بدلاً من مجرد كدمة صغيرة.

والماء من أفضل المواد المذيبة في الجسم البشري فهو ينقل كثيراً من المواد الكيميائية ذات القيمة في صورة محلول ويحمل أكثر منها طافية على سطحه.

وقدرته على الاحتفاظ بالصوديوم والبوتاسيوم في صورة محلول لا غنى عنها لنقل النبضات الكهربية التي تحرك العضلات والأعصاب.

حاجة الجسم إلى الماء

وحاجة الجسم من الماء كحاجته من الغذاء تتطلب إشباعاً مستمراً فنحن نشرب عادةً حوالي لتر ونصف لتر من الماء وحده أو المشروبات الأخرى كل يوم ونحصل على لتر آخر من السائل في طعامنا.

إذ مهما تبدو الأطعمة جافة فإن أغلبها مليء بالماء مثلنا تماماً حتى –اللحوم– وجملة ما يفرزه الجسم يومياً من البول يبلغ لتراً ونصف لتر

بالإضافة إلى حوالي لتر من الماء يُفقد بالتبخر –الذي يكفل تبريد الجسم– عن طريق الرئتين والجلد.

ولكن هذا التوازن المتواضع لترين ونصف لتر من الماء بين ما يحصل عليه الجسم وما يفقده لا يعطي صورة كافية لاقتصاديات الماء في الجسم

إذ أنها عملية أكبر من ذلك بكثير فالماء في الجسم يتم استبداله باستمرار –كالنقود السائلة– بين أعضاء الجسم وأجهزته المختلفة ففي خلال يوم واحد

مثلاً يتم ترشيح حوالي 180 لتراً من السائل من الدم ثم يعود بواسطة الكلى.

مصادر الماء للمختلفة

ويتم إنتاج حوالي 10 لترات من الماء داخل الجسم يومياً،

ومن المصادر المختلفة لذلك الغدد اللعابية التي تقدم لتراً ونصف لتر لترطيب الفم وبدء عملية الهضم كما تنتج المعدة قدراً مماثلاً من العصارات الهضمية.

وينتج البنكرياس والكبد والأمعاء حوالي أربعة لترات ونصف لتر والجزء الذي لا يمتص من هذا السائل خلال الأمعاء الدقيقة يُستخدم في النهاية في الأمعاء الغليظة.

عندما يتحول إلى فضلات شبه صلبة أو يعود إلى الجسم من خلال جدران الأمعاء.

ولم يكن في استطاعتنا إلى وقت قريب أن نحدد الماء إلى أن يبقي ثابتاً في الجسم بصفة دائمة،

وقد أمكن اكتشاف الرد باستخدام كمية ضئيلة من الماء الثقيل،

وهو من النظائر المشعة أكثر ثقلاً من الماء العادي ولكن له نفس خواصه.

وفي خلال فترة تتراوح بين 10 و 15 يوماً اختفي 50% من الماء الثقيل، وبعد أسابيع قليلة اختفت الكمية كلها،

وهكذا تبين أن الأنهار التي تجري في داخلنا كالأنهار الأخرى وحركة المد والجزر في الطبيعة تتدفق وتصب في الخارج.

كيف يتسنى لنا أن نعرف متى نحتاج إلى الماء؟

ولكن.. كيف يتسنى لنا أن نعرف متى نحتاج إلى الماء؟. وكيف نعرف كم من الماء نحتاج إليه؟.

إننا نعد الإحساس بالجفاف في الحلق علامة على الظمأ والواقع أن هذه العلامة تنشأ أصلاً في الدم.

فعندما نقوم بتمرينات تحت الشمس الحارقة مثلاً ونفرز من العرق ما يوازي كيلو جراماً أو حوالي ذلك،

فإن فقدان الماء يجعل الدم يزداد كثافة،

وإذا أصبح الدم كثيفاً جداً بالنسبة لحرارة الجسم وحالته في وقت معين،

فإن إشارة كيميائية تنطلق إلى نقطة إخطار في المخ تبعث بدورها رسالة إلى الفم والحلق.

وهنا تجعلنا الأجهزة العصبية متنبهين للإحساس بالظمأ، فنشرب ونشبع ظمأنا، وبهذا يعود توازن الماء.

متى نشعر بالظمأ؟

ونحن نشعر بالظمأ عندما نتناول أطعمة ملحية ولكن هذا ليس سببه أننا فقدنا ماء من الجسم بل سبق أننا تناولنا مقداراً زائداً من الملح.

فالجسم لا يحتفظ فقط بتوازن مائي بل إنه يحتفظ أيضاً بمحتويات الملح في مائه بنسبة 0.9 من واحد في المائة بصفة مستمرة ”

وهو ما نعتقد أنه نسبة الملح في البحر القديم الذي كون أول بيئة مغذية للحياة “.

وهكذا، إذا بقي الملح في الجسم عند النسبة الصحيحة تماماً فإننا إذا تناولنا المزيد من الملح فلابد لنا من أن نتناول المزيد من الماء.

وعندما نفقد ماء عن طريق العرق مثلاً فإنه يكون ماء ملحياً ولابد لنا من استعادة الملح والماء على السواء.

احتياطي الإنسان من الماء أقل كثيراً من احتياطه من الطعام

واحتياطي الإنسان من الماء أقل كثيراً من احتياطه من الطعام،

فالرجل الذي يرقد هادئاً في غرفة باردة يستطيع أن يعيش حوالي 12 يوماً بدون ماء ولكنه إذا أُعطى الماء يستطيع أن يصوم عن الطعام أكثر من شهرين.

وكانت الكتيبات التي تُعطى للجنود خلال الحرب العالمية الثانية لمساعدتهم إذا ضلوا في الصحراء.

والطيارين إذا هبطوا في البحر. توجه اهتماماً بالغاً إلى الكيفية التي يستطيع الإنسان أن يحفظ بها الماء في جسمه إذ أن جفاف الجسم من أعظم الأخطار التي يواجهها الجنود.

وقد نصح هؤلاء الرجال بتفادي الإجهاد وحماية أنفسهم من الشمس قدر استطاعتهم.

كما طلب منهم أن يرشوا ماء البحر على جلودهم وبهذا يكفلون بللاً للتبريد بدلاً من أن يفقدوه من الجسم.

وكانت النصيحة التي توجه للجنود الذين يضلون الطريق تقضي بأن يرقدوا في هدوء خلال النهار وأن يقوموا بكل مسيرهم في برودة الليل.

إننا نتحدث عن الدم باعتباره السائل الحيوي ولكن الماء الذي يتدفق ويلين ويدفئ ويبرد،

ويذيب المواد الحيوية وينقل الجزيئات التي تغذينا. هو سائل الحياة الحقيقي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *